محمد جمال الدين القاسمي
126
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
سبب لا يقصره عليه . وأجاب عن توهيم ابن عباس لابن عمر ، رضي اللّه عنهم ، المروىّ في ( سنن أبي داود ) بأنّ سنده ليس على شرط البخاريّ فلا يعارضه . فيقدّم الأصحّ سندا . ونظر إلى أنه لم يصح عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في هذا الباب حديث . قال الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) : ذهب جماعة من أئمة الحديث - كالبخاريّ والذهليّ والبزّار والنسائيّ وأبي عليّ النيسابوري - إلى أنّه لا يثبت فيه شيء . وأمّا من منع ذلك : فتأوّل الآيات المتقدّمة على صمام واحد . ونظر إلى أن الأحاديث المرويّة - من طرق متعدّدة - بالزجر عن تعاطيه وإن لم تكن على شرط الشيخين في الصحة ، إلّا أنّ مجموعها صالح للاحتجاج به . وقد استقصى الأحاديث الواردة في ذلك ، الحافظ الذهبيّ في جزء جمعه في ذلك . وساق جملة منها الحافظ ابن كثير في ( تفسيره ) وكذا الإمام ابن القيّم في ( زاد المعاد ) وقد هوّل - عليه الرحمة - في شأنه تهويلا عظيما . فقال في كتابه المذكور ، في الكلام على هديه صلّى اللّه عليه وسلم في الجماع ، ما نصّه : وأمّا الدبر ، فلم يبح قط على لسان نبيّ من الأنبياء . ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة من دبرها فقد غلط عليه . ثمّ ساق أخبار النهي عنه - وقال بعد : وقد دلّت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين : أحدهما : أنه إنما أباح إتيانها في الحرث وهو موضع الولد ، لا في الحشّ الذي هو موضع الأذى . وموضع الحرث هو المراد من قوله مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ . . . الآية - فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ، وإتيانها في قبلها من دبرها مستفاد من الآية أيضا لأنه قال : أَنَّى شِئْتُمْ أي : من أين شئتم : من أمام أو من خلف : قال ابن عباس : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ، يعني الفرج ؛ وإذا كان اللّه حرّم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض ، فما الظن بالحشّ الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جدا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان . وأيضا ، فللمرأة حقّ على الرجل في الوطء ، ووطؤها في دبرها يفوت حقها ، ولا يقضي وطرها ، ولا يحصل مقصودها . وأيضا فإنّ الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم يخلق له ، وإنما الذي هيّئ له الفرج ؛ فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة اللّه وشرعه جميعا . وأيضا فإنّ ذلك مضرّ بالرجل ، ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم ، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن ، وراحة الرجل منه ، والوطء